الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

376

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الآية ، على أنها جاءت لتشريع حكم المراجعة في الطلاق ما دامت العدة ، وعندي أن هذا ليس مجرد تشريع للمراجعة بل الآية جامعة لأمرين : حكم المراجعة ، وتحضيض المطلقين على مراجعة المطلقات ، وذلك أن المتفارقين لا بد أن يكون لأحدهما أو لكليهما ، رغبة في الرجوع ، فاللّه يعلم الرجال بأنهم أولى بأن يرغبوا في مراجعة النساء ، وأن يصفحوا عن الأسباب التي أوجبت الطلاق لأن الرجل هو مظنة البصيرة والاحتمال ، والمرأة أهل الغضب والإباء . والرد تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى : حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ [ البقرة : 217 ] والمراد به هنا الرجوع إلى المعاشرة وهو المراجعة ، وتسمية المراجعة ردا يرجح أن الطلاق قد اعتبر في الشرع قطعا لعصمة النكاح ، فهو إطلاق حقيقي على قول مالك ، وأما أبو حنيفة ومن وافقوه فتأوّلوا التعبير بالرد بأن العصمة في مدة العدة سائرة في سبيل الزوال عند انقضاء العدة ، فسميت المراجعة ردا عن هذا السبيل الذي أخذت في سلوكه وهو رد مجازي . وقوله : إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً شرط قصد به الحث على إرادة الإصلاح ، وليس هو للتقييد . وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . لا يجوز أن يكون ضمير لَهُنَّ عائدا إلى أقرب مذكور وهو ( المطلقات ) ، على نسق الضمائر قبله ؛ لأن المطلقات لم تبق بينهن وبين الرجال علقة حتى يكون لهن حقوق وعليهن حقوق ، فتعين أن يكون ضمير لَهُنَّ ضمير الأزواج النساء اللائي اقتضاهن قوله بِرَدِّهِنَّ بقرينة مقابلته بقوله وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ . فالمراد بالرجال في قوله : وَلِلرِّجالِ الأزواج ، كأنه قيل : ولرجالهن عليهن درجة . والرجل إذا أضيف إلى المرأة ، فقيل : رجل فلانة ، كان بمعنى الزوج ، كما يقال للزوجة : امرأة فلان ، قال تعالى : وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ [ هود : 71 ] - إِلَّا امْرَأَتَكَ [ هود : 81 ] . ويجوز أن يعود الضمير إلى النساء في قوله تعالى لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ [ البقرة : 226 ] بمناسبة أن الإيلاء من النساء هضم لحقوقهن ، إذا لم يكن له سبب ، فجاء هذا الحكم الكلي على ذلك السبب الخاص لمناسبة ؛ فإن الكلام تدرج من ذكر النساء اللائي في العصمة ، حين ذكر طلاقهن بقوله وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ [ البقرة : 227 ] ، إلى ذكر المطلقات